التخطي إلى المحتوى الرئيسي

بَرِيقٌ مكسور.. وحلمٌ على أعتاب الصاغة



كانت "بنجرة" ابنتي الصغيرة تلمع في يدها مثل خيط من نور، تذكرني بكل اللحظات الجميلة التي مرت بنا. لكن، في لحظة خاطفة، انكسر الذهب.. وانكسر معه شيء في داخلي. نظرت إلى تلك القطعة الملتوية في كفي، وشعرت بغصة لم أستطع ابتلاعها.





في زحام السوق.. نبضٌ مضطرب

حملت قطعة الذهب المكسورة وتوجهت إلى سوق الذهب. كنت أمشي بين واجهات العرض البراقة، والذهب يلمع من خلف الزجاج كأنه يناديني. كنت أقول في نفسي: "سأصلحها.. لا، بل سأستبدلها بواحدة أثقل، تليق بمعصم ابنتي الصغير، وتكون لها سنداً وذخراً للزمن".

دخلت محل الصاغة، ورائحة البخور المختلطة ببريق المعدن النفيس تملأ المكان. وضعت "البنجرة" المكسورة أمام الصائغ، وقلت له وعيني تلمع بالأمل: "أريد تبديلها بواحدة أثقل.. أريد شيئاً قوياً لا ينكسر بسهولة".

لحظة الحقيقة

بدأ الصائغ يزن الذهب، ويحسب الفرق على شاشة آلته الحاسبة. كانت الأرقام تظهر وتختفي، ومع كل رقم كان قلبي يخفق بشدة. وعندما نطق بالرقم النهائي.. توقف الزمان.

كان الفرق كبيراً.. أكبر بكثير مما تحمله محفظتي، وأبعد بكثير مما تسمح به ميزانيتي المثقلة بطلبات الحياة. نظرت إلى النقود التي معي، ثم نظرت إلى تلك البنجرة الثقيلة التي اخترتها.. كانت بعيدة المنال.





الخيبة المرة

"لا أستطيع.." همستُ بها في سري.

اعتذرت من الصائغ، وجمعت القطع المكسورة وأعدتها إلى كيسي الصغير. خرجت من المحل والدموع تحرق جفني. ليس من أجل الذهب، فالذهب يذهب ويعود، بل من أجل ذلك الشعور بالعجز.. شعور الأم التي تتمنى أن تمنح طفلتها العالم كله في كفة، وتجد كفتها خالية.

جلست على مقعد في زاوية السوق، أراقب المارة. شعرت بالزعل ينهش قلبي، وقلت في نفسي: "سامحيني يا ابنتي، كنت أريد أن أثقل معصمكِ بالذهب، لكنني لا أملك إلا حبّاً لا يوازنه ثقل الأرض".

النهاية: بريقٌ من نوع آخر

عدت إلى البيت، استقبلتني ابنتي بضحكتها التي تملأ الدنيا ضياءً. نظرت إلى يدها الخالية، ثم ضمتني بقوة وهي تقول: "ماما، أين ذهبتِ؟ اشتقت إليكِ!".

في تلك اللحظة، أدركت أن ذهب الدنيا كله لا يساوي بريق الفرح في عينيها. مسحت دموعي وابتسمت، وعاهدت نفسي أنني حتى لو لم أستطع "تثقيل" ذهبها اليوم، فسأثقل قلبها بالثقة والحنان والقناعة.. فهي أغلى "بنجرة" وهبني الله إياها، وكسرُ الخواطر لا يجبره الذهب، بل تجبره المحبة.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

عندما يغيب النور.. حكاية البيت الذي أظلم

​ كان "أبو أحمد" يظن أن جدران بيته هي التي تمنحه الدفء، وأن المصابيح المعلقة في السقف هي مصدر الضوء. لكنه اكتشف الحقيقة المرة في اللحظة التي أغلق فيها باب البيت خلف زوجته وهي مغادرة في سفر طويل. في اليوم الأول، بدا كل شيء هادئاً، لكنه كان هدوءاً مخيفاً. دخل المطبخ، فوجد الأواني صامتة، ورائحة القهوة التي كانت تملأ المكان كل صباح قد تبخرت. كانت زوجته هي "دينامو" هذا البيت، اليد الخفية التي ترتب الفوضى قبل أن تبدأ، والابتسامة التي تمتص تعب اليوم بمجرد دخوله من الباب. رحيل النور مع مرور الأيام، أدرك أبو أحمد أن الزوجة الصالحة ليست مجرد شريك حياة، بل هي "نور الحياة". غيابها لم يكن غياباً لجسد، بل كان انطفاءً لروح البيت. السرير أصبح بارداً، والجلوس على مائدة الطعام وحيداً صار أصعب اختبار يمر به. كان ينظر إلى مقعدها الخالي ويشعر أن الضوء في الغرفة باهت، مهما أشعل من مصابيح. قيمة النعمة تذكر حينها كيف كانت تملأ البيت بذكر الله، وكيف كان دعاؤها في صلاة الفجر يبعث الطمأنينة في قلبه وهو ذاهب لعمله. اكتشف أن "نور البيت" ليس في الأثاث ولا في الديكور، بل في...

# منارات اليقين: رحلة إيليا نحو البصيرة

في قديم الزمان، خلف جبال "أكاسيا" الشاهقة، كانت تقع قرية تُدعى **"تيلوس"**. كان أهلها يعيشون ببركة "شجرة البصيرة" التي تتوسط الساحة، وهي شجرة قيل إن جذورها تُسقى من إخلاص القلوب، فإذا صلح حال الناس اخضرت، وإذا فسدت النوايا ذبلت. بطلنا شاب يدعى **"إيليا"**، كان ذكياً ومندفعاً، يظن أن القوة في الساعد والذكاء في اللسان، وكان يستعجل قطاف الثمار قبل نضجها. ذات صباح، استيقظ أهل القرية ليجدوا الشجرة قد يبست تماماً وتساقطت أوراقها، وخيم الحزن على المكان. قال كبير الحكماء، الشيخ "صالح": > "يا أبنائي، الشجرة مرآة لقلوبنا. لقد غرتنا الدنيا فجفت الجذور. لا بد من رحلة إلى 'وادي التوكل' لإحضار 'بذرة اليقين' التي لا تنبت إلا في قلبٍ عرف ربه." >  ### الفصل الأول: فتنة "الدنيا والسراب" انطلق إيليا واثقاً بقوته. في اليوم الثالث، دخل صحراء "الأمنيات" القاحلة. هناك، رأى قصوراً من ذهب، وجداول من عسل، وخدمًا يهرعون إليه. ركض إيليا نحو السراب، وكلما اقترب اختفت القصور وظهرت الرمال الحارقة. أشرف إيليا على اله...

عندما توقف الزمن في "ملعب الأحلام": رحلتي من الاحتراف إلى الإصابة

كل شخص لديه مكان يشعر فيه أنه "بطل" قصته الخاصة، وبالنسبة لي، كان ذلك الملعب ذو العشب الصناعي الأخضر في مكة المكرمة. البداية: شغف لا ينطفئ بعد تخرجي من الثانوية العامة، انتقلت إلى مكة المكرمة لمواصلة دراستي الجامعية. لكن بجانب الكتب والمحاضرات، كان هناك عالم آخر ينتظرني كل مساء؛ ملعب الكرة. لم تكن مجرد هواية، بل أصبحت جزءاً من هويتي. مع مرور الأيام، صقلت موهبتي حتى أصبحت "محترفاً" يشار إليه بالبنان، أشارك في البطولات، وأخوض المباريات الودية والرسمية، والكرة لا تفارق قدمي. تلك اللحظة.. حين سكتت الصافرة في يوم لا يغيب عن ذاكرتي، وفي غمرة الحماس، حدث ما لم يكن في الحسبان. سقطتُ فجأة، وبدأت أشعر بألم لم أعرف له مثيلاً من قبل. كان المشهد درامياً بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ صرخات الألم امتزجت بصوت قطرات المطر التي بدأت تهطل بغزارة على الملعب، وكأن السماء كانت تشاركني تلك اللحظة القاسية. وصلت سيارة الإسعاف، وهناك جاء التشخيص الذي نزل عليّ كالصاعقة: "قطع في الرباط الصليبي الأمامي والخلفي" . معركة الاستشفاء والحاجز النفسي توقفت الكرة، وتغيرت أولوياتي. ركزت على إنه...