
## الروتين القاتل.. والمنعطف الأخير
كانت الساعة تشير إلى الخامسة والنصف فجراً. الصمت في "ينبع" في هذا الوقت له رنين خاص، رنين يشبه سكون البحر قبل أن تستيقظ المدينة. قمت من سريري كآلة مبرمجة، جسدي يحفظ الطريق إلى المطبخ دون الحاجة لفتح عينيّ تماماً.
وضعت غلاية الماء على النار. صوت تصاعد البخار كان الموسيقى التصويرية الوحيدة لحياتي اليومية. بدأت طقوسي المعتادة في تحضير القهوة؛ طحن الحبوب السوداء، استنشاق رائحتها التي تعيد ترتيب خلايا دماغي، ثم صبّها ببطء في كوبي الحراري المفضل. كان روتيناً مقدساً، لا يقبل الخطأ ولا التغيير.
خرجت من المنزل، نسمة الهواء الباردة داعبت وجهي. ركبت السيارة، وضعت الكوب في مكانه المخصص، وانطلقت نحو الدوام. الشوارع كانت شبه خالية، والأنوار الصفراء تنعكس على الزجاج الأمامي. كنت أفكر في قائمة المهام الطويلة التي تنتظرني، في أوراق التفتيش، وفي تقارير السلامة.. لم أكن أعلم أن "القائمة" كلها ستتغير بعد دقائق.
### اللحظة الفاصلة
عند الإشارة الضوئية الأخيرة قبل مدخل المنطقة الصناعية، حدث ما لم يكن في الحسبان. لم تكن حادثة اصطدام، ولا عطلاً في المحرك. بل كان شيئاً غريباً تماماً.
توقفت السيارة التي أمامي فجأة، نزل منها رجل يرتدي بزة رسمية أنيقة جداً لا تناسب وقت الفجر. ركض باتجاهي وطرق نافذتي بهلع. فتحت النافذة ببطء، وقلبي يدق بعنف.
قال بنبرة متقطعة: "أرجوك.. خذ هذا، لا تدعهم يروه معي!"
رمى في حضني حقيبة جلدية صغيرة، واختفى بين الأزقة الجانبية قبل أن أنطق بحرف. وفي اللحظة نفسها، انطلقت خلفه سيارتان سوداوان مظللتان بسرعة جنونية.
### الصراع

وقفت مكاني متجمداً. القهوة التي كانت تمنحني الهدوء أصبحت الآن باردة في يدي المرتجفة. نظرت إلى الحقيبة؛ كانت قديمة الطراز، وعليها شعار غريب لم أره من قبل.
هل أذهب إلى الدوام وكأن شيئاً لم يكن؟ هل أتصل بالشرطة؟ أم أفتح الحقيبة؟
الفضول كان أقوى من الخوف. ركنت السيارة جانباً ببطء، وفتحت السحاب المعدني للحقيبة. لم أجد ذهباً ولا مالاً. وجدت "مخطوطة" قديمة مكتوبة بخط اليد، وصوراً لخرائط جغرافية لمنطقة "ينبع النخل" والعيون القديمة، وبوصلة نحاسية لا تتوقف عن الدوران.
بين الأوراق، سقطت ورقة صغيرة مكتوب عليها: **"الروتين هو السجن الذي نصنعه لأنفسنا، اليوم بدأت حريتك.. اتبع الإحداثيات."**
### المنعطف
بدلاً من الانعطاف يميناً نحو بوابة الشركة، وجدت يدي تدير المقود يساراً، نحو الطريق القديم. شعرت بطاقة غريبة، وكأنني لست الموظف الذي يسعى لإنهاء ورديته، بل بطل في رواية لم أكتبها بعد.
مررت بالبنايات القديمة، ووصلت إلى نقطة حددتها الخريطة بالقرب من نبع ماء جاف منذ عقود. هناك، وجدت الرجل صاحب البزة الأنيقة ينتظرني، لكنه هذه المرة كان هادئاً، يبتسم بوقار.
قال لي: "كنت أعرف أنك ستأتي. نحن نبحث عن أشخاص لا يزالون يملكون شغفاً خلف روتينهم اليومي. هذه الحقيبة ليست كنزاً مادياً، بل هي تاريخ عائلتك الذي فُقد في هذه الأرض منذ مئة عام."
### النهاية

اتضح أن الرجل كان محامياً مكلفاً بإيصال وصية قديمة جداً، وأن "الصدفة" لم تكن صدفة، بل كان يراقب روتيني اليومي ليعرف مدى التزامي ودقتي، واختار تلك اللحظة ليختبر رد فعلي.
عدت في اليوم التالي إلى دوامي، وصنعت قهوتي كالمعتاد. لكنني لم أعد الشخص نفسه. الآن، في كل صباح، بينما أرتشف قهوتي، أنظر إلى البوصلة النحاسية الموضوعة على مكتبي، وأبتسم.. لأنني أدركت أن خلف كل روتين ممل، تختبئ مغامرة تنتظر من يجرؤ على فتح "الحقيبة".
**خاتمة :**
*أحياناً، نحتاج لشيء يكسر روتيننا لنكتشف من نحن حقاً. ليس بالضرورة أن تكون حقيبة غامضة، قد تكون فكرة، أو كتاباً، أو حتى ابتسامة عابرة. فهل أنتم مستعدون لكسر روتينكم غداً؟*
تعليقات
إرسال تعليق