التخطي إلى المحتوى الرئيسي

محطة الثلاثين: صراع الأحلام، ضجيج الندم، وفاتورة التفكير المفرط

 



في هدوء غرفتي، استوقفتني فكرة مرعبة: "اليوم أتممت عامي الثلاثين". حسبة سريعة في عقلي كشفت لي أن المتبقي على التقاعد هو 34 عاماً فقط. نظرت إلى الخلف، إلى شريط ذكرياتي، فلم أجد تلك الإنجازات العظيمة التي رسمتها يوماً؛ وجدت قائمة من الإخفاقات التي شعرتُ طويلاً أنها خارجة عن إرادتي.

يد الوالد.. طوق النجاة الأول

أتذكر سنوات العطالة السنتين، كان والدي -حفظه الله- يضغط عليّ بكل قوته. لولا الله ثم إصراره ودعواته، لما وجدت وظيفتي الحالية. في تلك الأيام، كانت الدموع والتضرع لله هما وسيلتي الوحيدة، وكان الله يستجيب لي في كل مرة أطرق فيها بابه بصدق. والآن، أنا على رأس عملي، لكنني أقف أمام تحدٍ جديد؛ راتبٌ لا يكاد يواكب غلاء المعيشة، وعائلةٌ أعيلها بقلبٍ يملؤه الحب والقلق.

فاتورة "التفكير المفرط": الجلطة التي لم تكن في الحسبان

لقد دفع جسدي الثمن غالياً قبل ثلاث سنوات. التفكير السلبي المفرط، مع إهمال العادات الصحية، أدى إلى إصابتي بجلطة دماغية. كانت تلك اللحظة نقطة تحول قاسية؛ شعرت بعدها بنوع من الزهد الممزوج باليأس، وصلت لمرحلة "عدم الاكتراث"، وسلمت أمري لله بشكل كامل، مكتفياً بعبادته حتى يحين الأجل.

محاولات في مهب الريح

لم أكن مكتوف الأيدي؛ جربت كل شيء. دخلت عالم "البثوث"، حاولت في اليوتيوب، ومنصات التواصل الاجتماعي، لكن الفشل كان حليفي في كل مرة. حتى برامج التوصيل التي جربتها، وجدت أنها تستهلك سيارتي وجهدي أكثر مما تدرّ عليّ من مال. أحياناً أقول في نفسي: "لو أنني استثمرت تلك السنوات في إكمال البكالوريوس بدلاً من تلك الدبلومات الكثيرة، لربما كان حالي أفضل الآن".

الواقع الصعب.. والأمل المتبقي

كل شيء من حولي أصبح غالياً، ومطالباتي المتكررة لإدارتي بزيادة الراتب لم تجد آذاناً صاغية منذ شهور. لكن رغم كل هذا، رغم الندم على ما فات، ورغم التعب الجسدي والنفسي، يظل "الحمد لله" هو الملاذ الأخير.

سؤال للقراء:

هل شعرتم يوماً أن العمر يسرقكم وأن الإنجازات تتأخر؟ وكيف تتعاملون مع مشاعر الندم على مسارات دراسية أو مهنية لم تكتمل؟ شاركوني تجاربكم ودعواتكم.


From Blogger iPhone client

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

عندما يغيب النور.. حكاية البيت الذي أظلم

​ كان "أبو أحمد" يظن أن جدران بيته هي التي تمنحه الدفء، وأن المصابيح المعلقة في السقف هي مصدر الضوء. لكنه اكتشف الحقيقة المرة في اللحظة التي أغلق فيها باب البيت خلف زوجته وهي مغادرة في سفر طويل. في اليوم الأول، بدا كل شيء هادئاً، لكنه كان هدوءاً مخيفاً. دخل المطبخ، فوجد الأواني صامتة، ورائحة القهوة التي كانت تملأ المكان كل صباح قد تبخرت. كانت زوجته هي "دينامو" هذا البيت، اليد الخفية التي ترتب الفوضى قبل أن تبدأ، والابتسامة التي تمتص تعب اليوم بمجرد دخوله من الباب. رحيل النور مع مرور الأيام، أدرك أبو أحمد أن الزوجة الصالحة ليست مجرد شريك حياة، بل هي "نور الحياة". غيابها لم يكن غياباً لجسد، بل كان انطفاءً لروح البيت. السرير أصبح بارداً، والجلوس على مائدة الطعام وحيداً صار أصعب اختبار يمر به. كان ينظر إلى مقعدها الخالي ويشعر أن الضوء في الغرفة باهت، مهما أشعل من مصابيح. قيمة النعمة تذكر حينها كيف كانت تملأ البيت بذكر الله، وكيف كان دعاؤها في صلاة الفجر يبعث الطمأنينة في قلبه وهو ذاهب لعمله. اكتشف أن "نور البيت" ليس في الأثاث ولا في الديكور، بل في...

# منارات اليقين: رحلة إيليا نحو البصيرة

في قديم الزمان، خلف جبال "أكاسيا" الشاهقة، كانت تقع قرية تُدعى **"تيلوس"**. كان أهلها يعيشون ببركة "شجرة البصيرة" التي تتوسط الساحة، وهي شجرة قيل إن جذورها تُسقى من إخلاص القلوب، فإذا صلح حال الناس اخضرت، وإذا فسدت النوايا ذبلت. بطلنا شاب يدعى **"إيليا"**، كان ذكياً ومندفعاً، يظن أن القوة في الساعد والذكاء في اللسان، وكان يستعجل قطاف الثمار قبل نضجها. ذات صباح، استيقظ أهل القرية ليجدوا الشجرة قد يبست تماماً وتساقطت أوراقها، وخيم الحزن على المكان. قال كبير الحكماء، الشيخ "صالح": > "يا أبنائي، الشجرة مرآة لقلوبنا. لقد غرتنا الدنيا فجفت الجذور. لا بد من رحلة إلى 'وادي التوكل' لإحضار 'بذرة اليقين' التي لا تنبت إلا في قلبٍ عرف ربه." >  ### الفصل الأول: فتنة "الدنيا والسراب" انطلق إيليا واثقاً بقوته. في اليوم الثالث، دخل صحراء "الأمنيات" القاحلة. هناك، رأى قصوراً من ذهب، وجداول من عسل، وخدمًا يهرعون إليه. ركض إيليا نحو السراب، وكلما اقترب اختفت القصور وظهرت الرمال الحارقة. أشرف إيليا على اله...

عندما توقف الزمن في "ملعب الأحلام": رحلتي من الاحتراف إلى الإصابة

كل شخص لديه مكان يشعر فيه أنه "بطل" قصته الخاصة، وبالنسبة لي، كان ذلك الملعب ذو العشب الصناعي الأخضر في مكة المكرمة. البداية: شغف لا ينطفئ بعد تخرجي من الثانوية العامة، انتقلت إلى مكة المكرمة لمواصلة دراستي الجامعية. لكن بجانب الكتب والمحاضرات، كان هناك عالم آخر ينتظرني كل مساء؛ ملعب الكرة. لم تكن مجرد هواية، بل أصبحت جزءاً من هويتي. مع مرور الأيام، صقلت موهبتي حتى أصبحت "محترفاً" يشار إليه بالبنان، أشارك في البطولات، وأخوض المباريات الودية والرسمية، والكرة لا تفارق قدمي. تلك اللحظة.. حين سكتت الصافرة في يوم لا يغيب عن ذاكرتي، وفي غمرة الحماس، حدث ما لم يكن في الحسبان. سقطتُ فجأة، وبدأت أشعر بألم لم أعرف له مثيلاً من قبل. كان المشهد درامياً بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ صرخات الألم امتزجت بصوت قطرات المطر التي بدأت تهطل بغزارة على الملعب، وكأن السماء كانت تشاركني تلك اللحظة القاسية. وصلت سيارة الإسعاف، وهناك جاء التشخيص الذي نزل عليّ كالصاعقة: "قطع في الرباط الصليبي الأمامي والخلفي" . معركة الاستشفاء والحاجز النفسي توقفت الكرة، وتغيرت أولوياتي. ركزت على إنه...