التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الراكب المجهول: سر في المقعد المجاور

 


كانت ليلة ضبابية، والهدوء في الشوارع الجانبية يبعث على الريبة. كنت أقود سيارتي عائداً للمنزل في ساعة متأخرة، حين لمحت ظلاً يقف وحيداً عند زاوية الطريق. أشار لي بيده بهدوء، ولسبب لا أعرفه، ضغطت على المكابح وتوقفت.

اللقاء الصامت

فتح الباب وركب في المقعد المجاور دون أن ينبس ببنت شفة (أي لم يقل كلمة واحدة). انطلقت بالسيارة والصمت يملأ المكان، صمت ثقيل يجعل أنفاسك مسموعة. لم يلتفت إليّ، بل كان ينظر للأمام بجمود، وكأنه ينتظر شيئاً لا أراه.

ملامح من زمن آخر

كان يرتدي معطفاً قديماً لا يناسب حرارة الجو، وكان يحمل بين يديه علبة خشبية صغيرة يضغط عليها بقوة، وكأنها أثمن ما يملك. حاولت سؤاله: "إلى أين الوجهة يا أخوي؟"، لكنه اكتفى بإشارة بسيطة بيده نحو نهاية الطريق المهجور. في تلك اللحظة، شعرت ببرودة غريبة تجتاح السيارة رغم أن المكيف كان مطفأً.

الاختفاء المفاجئ

وصلنا إلى تقاطع مظلم، وأشار لي بالتوقف. وقفت، ونزل من السيارة بنفس الصمت الذي دخل به. نظرت للمرآة لأتأكد من إغلاقه للباب، وعندما التفت بلمح البصر لأودعه.. لم أجد له أثراً! اختفى وكأن الأرض ابتلعته، ولم يتبقَ في المقعد المجاور إلا رائحة بخور قديم وعطر لا يشبه عطور زماننا.

سؤال للقراء:

هل حدث معكم موقف مشابه في طرقات الليل؟ وهل تعتقدون أن هذا الراكب كان إنساناً يبحث عن مساعدة، أم "عابراً" من عالم آخر؟ شاركوني قصصكم.


From Blogger iPhone client

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

عندما يغيب النور.. حكاية البيت الذي أظلم

​ كان "أبو أحمد" يظن أن جدران بيته هي التي تمنحه الدفء، وأن المصابيح المعلقة في السقف هي مصدر الضوء. لكنه اكتشف الحقيقة المرة في اللحظة التي أغلق فيها باب البيت خلف زوجته وهي مغادرة في سفر طويل. في اليوم الأول، بدا كل شيء هادئاً، لكنه كان هدوءاً مخيفاً. دخل المطبخ، فوجد الأواني صامتة، ورائحة القهوة التي كانت تملأ المكان كل صباح قد تبخرت. كانت زوجته هي "دينامو" هذا البيت، اليد الخفية التي ترتب الفوضى قبل أن تبدأ، والابتسامة التي تمتص تعب اليوم بمجرد دخوله من الباب. رحيل النور مع مرور الأيام، أدرك أبو أحمد أن الزوجة الصالحة ليست مجرد شريك حياة، بل هي "نور الحياة". غيابها لم يكن غياباً لجسد، بل كان انطفاءً لروح البيت. السرير أصبح بارداً، والجلوس على مائدة الطعام وحيداً صار أصعب اختبار يمر به. كان ينظر إلى مقعدها الخالي ويشعر أن الضوء في الغرفة باهت، مهما أشعل من مصابيح. قيمة النعمة تذكر حينها كيف كانت تملأ البيت بذكر الله، وكيف كان دعاؤها في صلاة الفجر يبعث الطمأنينة في قلبه وهو ذاهب لعمله. اكتشف أن "نور البيت" ليس في الأثاث ولا في الديكور، بل في...

# منارات اليقين: رحلة إيليا نحو البصيرة

في قديم الزمان، خلف جبال "أكاسيا" الشاهقة، كانت تقع قرية تُدعى **"تيلوس"**. كان أهلها يعيشون ببركة "شجرة البصيرة" التي تتوسط الساحة، وهي شجرة قيل إن جذورها تُسقى من إخلاص القلوب، فإذا صلح حال الناس اخضرت، وإذا فسدت النوايا ذبلت. بطلنا شاب يدعى **"إيليا"**، كان ذكياً ومندفعاً، يظن أن القوة في الساعد والذكاء في اللسان، وكان يستعجل قطاف الثمار قبل نضجها. ذات صباح، استيقظ أهل القرية ليجدوا الشجرة قد يبست تماماً وتساقطت أوراقها، وخيم الحزن على المكان. قال كبير الحكماء، الشيخ "صالح": > "يا أبنائي، الشجرة مرآة لقلوبنا. لقد غرتنا الدنيا فجفت الجذور. لا بد من رحلة إلى 'وادي التوكل' لإحضار 'بذرة اليقين' التي لا تنبت إلا في قلبٍ عرف ربه." >  ### الفصل الأول: فتنة "الدنيا والسراب" انطلق إيليا واثقاً بقوته. في اليوم الثالث، دخل صحراء "الأمنيات" القاحلة. هناك، رأى قصوراً من ذهب، وجداول من عسل، وخدمًا يهرعون إليه. ركض إيليا نحو السراب، وكلما اقترب اختفت القصور وظهرت الرمال الحارقة. أشرف إيليا على اله...

عندما توقف الزمن في "ملعب الأحلام": رحلتي من الاحتراف إلى الإصابة

كل شخص لديه مكان يشعر فيه أنه "بطل" قصته الخاصة، وبالنسبة لي، كان ذلك الملعب ذو العشب الصناعي الأخضر في مكة المكرمة. البداية: شغف لا ينطفئ بعد تخرجي من الثانوية العامة، انتقلت إلى مكة المكرمة لمواصلة دراستي الجامعية. لكن بجانب الكتب والمحاضرات، كان هناك عالم آخر ينتظرني كل مساء؛ ملعب الكرة. لم تكن مجرد هواية، بل أصبحت جزءاً من هويتي. مع مرور الأيام، صقلت موهبتي حتى أصبحت "محترفاً" يشار إليه بالبنان، أشارك في البطولات، وأخوض المباريات الودية والرسمية، والكرة لا تفارق قدمي. تلك اللحظة.. حين سكتت الصافرة في يوم لا يغيب عن ذاكرتي، وفي غمرة الحماس، حدث ما لم يكن في الحسبان. سقطتُ فجأة، وبدأت أشعر بألم لم أعرف له مثيلاً من قبل. كان المشهد درامياً بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ صرخات الألم امتزجت بصوت قطرات المطر التي بدأت تهطل بغزارة على الملعب، وكأن السماء كانت تشاركني تلك اللحظة القاسية. وصلت سيارة الإسعاف، وهناك جاء التشخيص الذي نزل عليّ كالصاعقة: "قطع في الرباط الصليبي الأمامي والخلفي" . معركة الاستشفاء والحاجز النفسي توقفت الكرة، وتغيرت أولوياتي. ركزت على إنه...