صراخ الصمت: السر المدفون في الكيلو ٤٠
كانت الشمس في ينبع تميل نحو المغيب بلون أرجواني مريب، وكأن السماء تنزف على أفق البحر. خرجت من بوابة المصنع في تمام الرابعة عصراً، جسدي منهك وعقلي مشتت، أفكاري تدور حول روتين الحياة الممل.. لكن القدر كان قد جهز لي "منعطفاً" لم يكن في الحسبان.
الطريق المهجور
قررت اختصار الطريق عبر الممر القديم الذي يقطع المزارع المهجورة، حيث تتشابك الأشجار الميتة وتغطي الرمال أطراف الأسفلت. فجأة، تعطل محرك سيارتي دون سابق إنذار. نزلت أحاول استكشاف العطل، والصمت يلف المكان، صمتٌ جنائزي لم تنبس فيه الأرض ببنت شفة.
وسط هذا السكون، سمعت صوت "ارتطام" معدني خفيف يأتي من خلف تلة رملية قريبة. مشيت بحذر، وقلبي يقرع صدري كطبلٍ ينذر بالخطر. وما إن تجاوزت التلة حتى تجمدت أطرافي؛ رأيت سيارة سوداء مهشمة، وبجانبها رجلٌ يرتدي بزة أنيقة، لكن وجهه كان شاحباً كالموت، وهو يحاول بيأس دفن حقيبة جلدية ضخمة تحت الرمل.
المواجهة والعهد الغامض
التقت أعيننا.. كانت نظراته مليئة بالرعب لا بالتهديد. سقط على ركبتيه وأشار لي بيده المرتجفة. اقتربت منه، فمسك بياقة قميصي وهمس بصوتٍ يخرج بصعوبة: "خذها.. إنها أمانة أرواحٍ ظُلمت. لا تفتحها حتى تسمع صوت الرعد في ليلة لا مطر فيها. عدني!".
قبل أن أجيب، أغمض عينيه ورحل، تاركاً خلفه ثقلاً لا يقدر بمال. سحبت الحقيبة، كانت ثقيلة جداً، ألقيتها في صندوق سيارتي التي اشتغلت فجأة وكأن روحاً دبت فيها!
الأيام المسمومة
مر أسبوع.. شهر.. وأنا أعيش في جحيم. لم ألمس الحقيبة، لكن رائحتها -رائحة الورق القديم والبارود- بدأت تفوح في أرجاء منزلي. كنت أرى الرجل في أحلامي، يطالبني بالوفاء بالعهد. تملكني الفضول القاتل؛ هل بداخلها "المليون ريال" التي ستغير حياتي؟ أم أنها أدلة لجريمة ستنهي وجودي؟
أصبح الأرق رفيقي، كنت أجلس في صالة منزلي أراقب البرق في السماء، أنتظر تلك اللحظة الموعودة. الحب، العمل، الأصدقاء.. كل شيء تضاءل أمام جاذبية الحقيبة اللعينة.
النهاية الصادمة: حقيقة "الأمانة"
في ليلة غريبة، لمع البرق بقوة ودوّى الرعد في سماء ينبع الجافة، دون قطرة مطر واحدة. ركضت نحو الحقيبة، وفتحت أقفالها بقلبٍ يكاد يتوقف.
لم أجد مالاً.. ولم أجد دماءً.
وجدت "مرآة قديمة" محطمة إلى قطع صغيرة، وتحتها آلاف القصاصات الورقية من جرائد تعود لثلاثين عاماً مضت. بدأت أقرأ العناوين بذهول: "اختفاء مهندس شاب في طريق العودة"، "العثور على سيارة محطمة في الكيلو ٤٠".. والصدمة الكبرى كانت في الصورة المرفقة مع الخبر.
كانت صورتي أنا! بنفس ملامحي، وبنفس ملابس الدوام التي أرتديها الآن!
نظرت إلى قطعة من المرآة المحطمة، فلم أرَ انعكاسي.. رأيت الرجل الذي مات بين يدي قبل شهر، وهو يبتسم لي ويقول: "شكراً لأنك أعدت لي ذاكرتي". أدركت حينها أنني لم أكن المنقذ، بل كنت أنا "الضحية" التي تائهة في ذلك الطريق منذ ثلاثين عاماً، وأن هذه الحقيبة لم تكن مالاً، بل كانت "هويتي" التي ضاعت في حادث الكيلو ٤٠، وظللت أعيش وهماً يومياً في دوامٍ لا ينتهي.. حتى انكسر القيد.


تعليقات
إرسال تعليق