التخطي إلى المحتوى الرئيسي

"خلف الخزانة: الرجل الذي سرق حياتي".



ساعة الصفر: الغريب الذي يسكن مرآتي

كانت الرطوبة في ينبع تخنق الأنفاس في ذلك المساء. عدت من الدوام في وقت متأخر، وبدلاً من أن أرتمي على سريري كالعادة، شعرت برغبة غريبة في ترتيب مخزني القديم الذي لم أفتحه منذ سنوات. يقولون إن البيوت القديمة تخبئ أرواح ساكنيها، لكنني لم أكن أؤمن إلا بما تراه عيناي.

الصندوق الخشبي

وسط الغبار المتراكم، وجدت صندوقاً خشبياً صغيراً مقفلاً بقفل صدئ. لم أتذكر أنني رأيته من قبل. بجهد جهيد كسرته، ولم أجد بداخله إلا شيئين: مفتاحاً نحاسياً قديماً، وقصاصة ورقية باهتة مكتوب عليها: "لا تفتح الباب الثالث قبل أن تغيب الشمس تماماً".

ضحكت بمرارة؛ بيتي لا يحتوي إلا على بابين! باب المدخل وباب الغرفة. فمن أين أتى "الباب الثالث"؟




الباب الذي ظهر من العدم

بينما كنت أسير في الممر الطويل باتجاه غرفتي، لاحظت شيئاً غريباً. خلف خزانة الملابس الكبيرة، كان هناك ظلٌ مستطيل لم ألحظه يوماً. زحت الخزانة بكل قوتي، لتظهر خلفها فرجة في الجدار.. بابٌ خشبي صغير بنفس حجم المفتاح الذي وجدته.

نظرت إلى الساعة، كانت الرابعة عصراً (نفس توقيت حادث الكيلو 40 المشؤوم). تذكرت التحذير، لكن الفضول كان أقوى من الخوف. أدخلت المفتاح، وفتحت الباب.

المواجهة مع الذات

خلف الباب لم تكن هناك غرفة، بل كان هناك ممرٌ طويل ينتهي بمرآة ضخمة. مشيت نحوه ببطء، والصمت يطبق على المكان، ولم تنبس جدران البيت ببنت شفة. وعندما وصلت للمرآة، لم أرَ نفسي.

رأيت رجلاً يرتدي نفس ملابسي، لكنه كان يجلس في مكتب أنيق، يكتب رسائل بجدية واضحة. التفت إليّ في المرآة، لم يكن خائفاً، بل كان يبتسم بحزن. أخرج من جيبه ساعة يد مكسورة -نفس الساعة التي وجدتها في قصة الكيلو 40- وقال بصوتٍ بدا وكأنه يأتي من بئر عميق: "لقد تأخرت.. كان يجب أن تختار الطريق الآخر".

النهاية الصادمة: تبادل الأدوار

فجأة، شعرت ببرودة تجتاح جسدي، وكأن الحياة تُسحب مني. الرجل الذي في المرآة بدأ يخرج منها، بينما بدأت أنا "أدخل" إليها! حاولت الصراخ، لكن صوتي تلاشى.

في لحظة خاطفة، وجدته يقف مكاني في الممر، يرتدي معطفي ويمسك بمفاتيح سيارتي. نظر إليّ وأنا الآن "سجين الزجاج" وقال: "عشر سنوات وأنا أنتظر أن تفتح هذا الباب لتأخذ مكاني في عالم الظلال، وأعود أنا لأكمل حياتك التي أضعتها في الكيلو 40".

أغلق الباب الخشبي، وزاح الخزانة لتغطيه تماماً. بقيت أنا خلف الزجاج، أنظر للعالم من الداخل. وعندما جاءت الساعة الرابعة من اليوم التالي، رأيت نفسي (أو الشخص الذي أخذ مكاني) وهو يعود من الدوام، يبتسم لزوجتي، ويشرب قهوته، بينما أنا مجرد "خاطرة" عالقة في مرآة مهجورة.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

عندما يغيب النور.. حكاية البيت الذي أظلم

​ كان "أبو أحمد" يظن أن جدران بيته هي التي تمنحه الدفء، وأن المصابيح المعلقة في السقف هي مصدر الضوء. لكنه اكتشف الحقيقة المرة في اللحظة التي أغلق فيها باب البيت خلف زوجته وهي مغادرة في سفر طويل. في اليوم الأول، بدا كل شيء هادئاً، لكنه كان هدوءاً مخيفاً. دخل المطبخ، فوجد الأواني صامتة، ورائحة القهوة التي كانت تملأ المكان كل صباح قد تبخرت. كانت زوجته هي "دينامو" هذا البيت، اليد الخفية التي ترتب الفوضى قبل أن تبدأ، والابتسامة التي تمتص تعب اليوم بمجرد دخوله من الباب. رحيل النور مع مرور الأيام، أدرك أبو أحمد أن الزوجة الصالحة ليست مجرد شريك حياة، بل هي "نور الحياة". غيابها لم يكن غياباً لجسد، بل كان انطفاءً لروح البيت. السرير أصبح بارداً، والجلوس على مائدة الطعام وحيداً صار أصعب اختبار يمر به. كان ينظر إلى مقعدها الخالي ويشعر أن الضوء في الغرفة باهت، مهما أشعل من مصابيح. قيمة النعمة تذكر حينها كيف كانت تملأ البيت بذكر الله، وكيف كان دعاؤها في صلاة الفجر يبعث الطمأنينة في قلبه وهو ذاهب لعمله. اكتشف أن "نور البيت" ليس في الأثاث ولا في الديكور، بل في...

جابر بن عبد الله: جبر الخواطر في أوقات الشدة

​ جابر بن عبد الله: جبر الخواطر في أوقات الشدة المشهد الأول: انكسار القلب بعد غزوة أحد، كان الصحابي الشاب جابر بن عبد الله يعيش أصعب أيام حياته. لقد استُشهد والده "عبد الله بن عمرو بن حرام"، وترك خلفه جبلًا من الديون وتسع بنات (أخوات جابر) يتكفل بهنّ. كان جابر مثقلاً بالهمّ، يسير في مؤخرة الجيش وقد أعيا جمله الضعيف، فلحق به النبي ﷺ. المشهد الثاني: الرفيق الأعلى يواسي صاحبه لم يمر النبي ﷺ بجانب جابر مروراً عابراً، بل لاحظ انكساره. اقترب منه وسأله بلسان الأب الحاني: "مالي أراك منكسراً؟" حكى جابر وجعه: استشهاد الأب، كثرة العيال، وتراكم الديون. هنا لم يكتفِ النبي ﷺ بالدعاء، بل بدأ في "جبر خاطره" عملياً ونفسياً: 1. البشارة المعنوية:  أخبره النبي ﷺ أن الله كلم والده "كفاحاً" (بدون حجاب) في الجنة، تقديراً لصدقه. 2. الممازحة لتخفيف التوتر:  سأله عن زواجه، وراح يمازحه حتى يخرج من جو الكآبة. 3. المعجزة المادية:  بارك النبي ﷺ في "تمر" جابر حتى قُضي دينه كله، وبقي منه ما يكفي عياله. المشهد الثالث: الدرس للقارئ  هذه القصة ليست مجرد سرد تاريخي،...

من رمال ينبع إلى عالمية الطموح: قصة كفاح لم تروَ من قبل

​ في زحام الحياة، تمر بنا قصص تبدو عادية في بدايتها، لكنها تحمل في طياتها أسراراً للنجاح لا يدركها إلا الصابرون. بطل قصتنا اليوم ليس شخصاً مشهوراً تتصدر صوره المجلات، بل هو شاب سعودي من قلب مدينة ينبع ، قرر أن يترك بصمته الخاصة بعيداً عن الوظيفة التقليدية. البداية من الصفر بدأ "خالد" (اسم مستعار لبطل القصة) رحلته بمدخرات بسيطة وفكرة كانت تبدو للبعض "مجنونة". كان يحلم بتأسيس مشروع يربط بين عراقة التراث السعودي وبين التكنولوجيا الحديثة. في البداية، واجه سخرية الكثيرين، فالبعض قال له: "السوق متشبع"، والبعض الآخر حذره من المخاطرة. لحظة التحول يقول خالد: "لم تكن المشكلة في رأس المال، بل في من يؤمن بالفكرة". بدلاً من الاستسلام، بدأ خالد في تطوير مهاراته ذاتياً، وقضى ليالي طويلة يتعلم أسرار الإدارة والتسويق الرقمي. كانت نقطة التحول عندما قرر دمج شغفه بالرياضة مع مشروعه التجاري، مما جذب له فئة الشباب التي تبحث عن شيء مختلف وجديد. الدروس المستفادة اليوم، أصبح مشروع خالد علامة مسجلة يشار إليها بالبنان في المنطقة. ومن هذه القصة نستخلص ثلاث قواعد ذهبي...