ا
تت
الجزء الأول: الباب الذي لم يُغلق تماماً
في أطراف قرية قديمة، كانت تفصلها عن صخب المدينة جبال شاهقة، وقف "ياسر" أمام بوابة حديدية علاها الصدأ. لم يكن المنزل مجرد بناء، بل كان هيكلاً عملاقاً من الحجر الأسود يربض وسط حديقة ذبلت أشجارها منذ عقود، حتى بدت أغصانها كأصابع نحيلة تحاول التشبث بالسماء.
اشترى ياسر المنزل بثمن بخس، متجاهلاً تحذيرات كبار السن في القرية الذين أطلقوا عليه "منزل الأنفاس السبعة". كانوا يقولون إن جدران هذا البيت لا تحفظ الأسرار، بل تعيد ترديدها بوجع. في الليلة الأولى، كان الصمت ثقيلاً، صمت لا يكسره سوى عواء الريح التي كانت تتسلل عبر شقوق النوافذ الخشبية.
الجزء الثاني: الهمس في الممرات
عند منتصف الليل، استيقظ ياسر على صوت غريب. لم يكن صراخاً، بل كان صوت "جرّ" لشيء ثقيل في الطابق العلوي. خرج من غرفته حاملاً مصباحاً يدوياً، يرتجف الضوء في يده مع كل خطوة على الدرج الخشبي الذي كان يئن تحت قدميه.
وصل إلى الممر الطويل، وهناك رآه.. باب الغرفة الأخيرة في نهاية الممر كان مفتوحاً قليلاً، وينبعث منه ضوء باهت مائل للزرقة. اقترب ببطء، وقلبه يدق كطبول الحرب. عندما وضع يده على مقبض الباب، توقف الصوت فجأة. دخل الغرفة، لكنها كانت فارغة تماماً إلا من مرآة ضخمة تغطي الحائط المقابل.
لم يرَ ياسر انعكاسه في المرآة فوراً؛ بل رأى خلفه في الانعكاس خيالاً لامرأة تقف عند عتبة الباب الذي دخل منه للتو. التفت بسرعة.. لكن الممر كان خالياً. أعاد نظره للمرآة، وكانت المرأة لا تزال هناك، تقترب منه في "عالم الانعكاس" بخطوات صامتة، وجهها مغطى بشعر أسود طويل، وثوبها يقطر ماءً أسود يلوث السجادة.
الجزء الثالث: سجلات الغائبين
مرت الأيام، وأصبح ياسر سجيناً في منزله. كلما حاول الخروج، وجد الباب الخارجي موصداً بقوة لا تفسير لها. في أحد القبو، وجد مذكرات قديمة تعود لصاحب المنزل الأول. كانت الكتابة تضطرب كلما تقدمت الصفحات، حتى تحولت إلى خربشات غير مفهومة.
قرأ في الصفحة الأخيرة جملة واحدة كُررت آلاف المرات:
> "هم لا يريدون رحيلي.. هم يريدون صوتي."
>
فهم ياسر حينها الحقيقة المرة؛ المنزل يتغذى على قصص ساكنيه. كلما شعرت بالخوف، كلما أصبحت جدران البيت أكثر حيوية. بدأ يسمع أصواتاً تناديه باسمه من داخل الجدران، أصواتاً تشبه صوت والدته الراحلة، ثم تتحول فجأة إلى ضحكات هستيرية تقشعر لها الأبدان.
الجزء الرابع: الليلة الأخيرة
في ليلة عاصفة، انطفأت جميع الأضواء. كان ياسر يجلس في زاوية الغرفة، يحمل شمعة صغيرة هي حصنه الأخير. فجأة، بدأت الجدران تتشقق، ولم يخرج منها تراب، بل خرجت منها أوراق مكتوبة. كانت تلك قصص كل من سكنوا هذا البيت قبله، مكتوبة بدمائهم.
رأى ورقة بيضاء تسقط أمام قدميه، وبدأت الكلمات تظهر عليها تلقائياً:
"ياسر، ولد في مدينة.. مات في غرفته وحيداً."
أدرك أن الدور قد حان عليه ليكون الحكاية الجديدة للمنزل. حاول الصراخ، لكن صوته اختفى تماماً، وكأن الهواء في الغرفة قد سُحب. رأى الظلال تخرج من الزوايا، ليس لها ملامح، مجرد فراغات سوداء تتحرك نحوه.
الخاتمة: حكاية لا تنتهي
في الصباح التالي، سكنت الريح، وفتحت بوابة المنزل الحديدية من تلقاء نفسها. دخل الجيران للبحث عن ياسر، لكنهم لم يجدوا أثراً له. الشيء الوحيد الذي وجدوه هو كتاب ضخم ملقى في ردهة المنزل، وعندما فتحوه، وجدوا فصلاً جديداً يتحدث عن رجل اشترى منزلاً في الوادي الصامت، وفي الصفحة الأخيرة كانت هناك صورة لياسر، مرسومة بدقة متناهية، وعيناه في الصورة تبدو وكأنها تتحرك وتراقب كل من يجرؤ على القراءة.
ومنذ ذلك اليوم، لا يمر أحد بجانب المنزل إلا ويقسم أنه يسمع صوت "قلم" يكتب بسرعة خلف الجدران الموصدة.
"لو كنت مكان ياسر، هل كنت ستتجاهل تحذيرات كبار السن وتدخل المنزل؟ شاركنا برأيك في التعليقات، ولا تنسى متابعة المدونة ليصلك الجزء القادم من سلسلة الرعب!"

تعليقات
إرسال تعليق